محمد سعيد رمضان البوطي

164

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

ثم إن نزول الملائكة للقتال مع المسلمين - إنما هو مجرد تطمين لقلوبهم ، واستجابة حسية لشدة استغاثتهم اقتضاها أنهم يقفون مع أول تجربة قتال في سبيل اللّه ، لأناس يبلغون ثلاثة أضعافهم في العدة والعدد . وإلا فإن النصر من عند اللّه وحده ، وليس للملائكة أي تأثير ذاتي في ذلك . ومن أجل بيان هذه الحقيقة قال اللّه تعالى معلّلا نزول الملائكة : وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ الأنفال 8 / 10 ] . 8 - ( الحياة البرزخية للأموات ) : في وقوف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على فم القليب ينادي قتلى المشركين ويكلمهم بعدما ماتوا ، وفيما قاله لعمر رضي اللّه عنه إذ ذاك ، دليل واضح على أن للميت حياة روحية خاصة به ، لا ندري حقيقتها وكيفيتها ، وأن أرواح الموتى تظل حائمة حول أجسادهم ، ومن هنا يتصور معنى عذاب القبر ونعيمه ، غير أن ذلك كله إنما يخضع لموازين لا تنضبط بعقولنا وإدراكاتنا الدنيوية هذه ، إذ هو مما يسمى بعالم الملكوت البعيد عن مشاهداتنا وتجاربنا العقلية والمادية . فطريق الإيمان بها إنما هو التسليم لها بعد أن تصلنا بطريق ثابت صحيح . 9 - ثم إن مسألة الأسرى ، بما تضمنته من مشاورة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم في شأنهم ، وما أعقبها من حكم افتدائهم بالمال ثم نزول آيات تعتب على النّبي صلّى اللّه عليه وسلم وعلى أصحابه اتخاذ ذلك الحكم ، نقول إن لهذه المسألة دلالات هامة : أولا : ( الأسرى واجتهاد الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ) : دلّتنا هذه الواقعة على أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم كان له أن يجتهد ، والذين ذهبوا إلى هذا - وهم جمهور علماء الأصول - استدلوا على ذلك بمسألة أسرى بدر . وإذا صحّ أن يجتهد ، صحّ منه بناء على ذلك أن يخطئ في الاجتهاد ويصيب . غير أن الخطأ لا يستمر ، بل لا بدّ أن تنزل آية من القرآن تصحح له اجتهاده ، فإذا لم تنزل آية فهو دليل على أن اجتهاده صلّى اللّه عليه وسلم قد وقع على ما هو الحق في علم اللّه تعالى . قال شارح اللمع : « وقد كان الخطأ عليه جائزا ، إلا أنه لا يقرّ عليه ، بل ينبّه عليه سريعا » ، وقال أبو إسحاق الشيرازي : « ومن أصحابنا من قال : ما كان يجوز عليه الخطأ ، وهذا خطأ ، لقوله تعالى : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ ، لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ فيدل على أنه أخطأ » « 9 » ، [ التوبة 9 / 43 ] . وقال الأسنوي في شرحه على المنهاج : « واختار الآمدي وابن الحاجب أنه يجوز عليه الخطأ بشرط أن لا يقرّ عليه . ونقله الآمدي عن أكثر أصحابنا والحنابلة وأصحاب الحديث » « 10 » . وقال الإمام البيضاوي في تفسير قوله تعالى : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى

--> ( 9 ) انظر شرح اللمع لأبي إسحاق الشيرازي : 824 ( 10 ) الأسنوي على المنهاج : 4 / 537